صديق الحسيني القنوجي البخاري
15
فتح البيان في مقاصد القرآن
والأحاديث النبوية مراد اللّه تعالى ، وقد ثبت في الحديث أن لكل آية ظهرا وبطنا « 1 » وذلك المراد الآخر لما لم يطلع عليه كل أحد بل من أعطي فهما وعلما من لدنه تعالى يكون الضابط في صحته أن لا يرفع ظاهر المعاني المنفهمة عن الألفاظ بالقوانين العربية وأن لا يخالف القواعد الشرعية ، ولا يباين إعجاز القرآن ، ولا يناقض النصوص الواقعة فيها ، فإن وجدت فيه هذه الشرائط فلا طعن فيه وإلا فهو بمعزل عن القبول . قال الزمخشري : من حق التفسير أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه ، والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدي سليما من القادح . وكما بينوا في التفسير شرائط ، بينوا في المفسر أيضا شرائط لا يحل التعاطي لمن عري عنها أو هو فيها راجل وهي أن يعرف اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع والقراءات وأصول الدين وأصول الفقه ، وأسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والفقه ، والأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم ، وعلم الموهبة ، وهو علم يورثه اللّه سبحانه لمن عمل بما علم انتهى . [ تفسير القرآن ثلاثة أقسام : ] ثم إن تفسير القرآن ثلاثة أقسام : الأول : ما لم يطلع اللّه عليه أحدا من خلقه ، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته ومعرفة حقائق أسمائه وصفاته ، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه . والثاني : ما أطلع اللّه سبحانه نبيه عليه من أسرار الكتاب واختصه به فلا يجوز الكلام فيه إلا له صلّى اللّه عليه وسلّم أو لمن أذن له ، قيل : وأوائل السور من هذا القسم ، وقيل من الأول وهو الراجح . والثالث : علوم علمها اللّه نبيه وأمره بتعليمها ، وهذا ينقسم إلى قسمين منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ واللغات والقراءات وقصص الأمم وإخبار ما هو كائن ، ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والاستنباط من الألفاظ ، وهو قسمان قسم اختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهات ، وقسم اتفقوا عليه وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية ، وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع استنباطها منه لمن له أهلية ذلك ، وما عدا هذه الأمور هو التفسير بالرأي الذي نهى عنه ، وفيه خمسة أنواع : الأول : التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير ، والثاني : تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا اللّه سبحانه وتعالى ، والثالث : التفسير المقرر للمذهب
--> ( 1 ) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 1 / 136 ، وأراد بالظهر ما ظهر بيانه ، وبالبطن ما احتيج إلى تفسيره .